أخبار عاجلة

الذكاء الاصطناعي وتأثيره في فقدان الوظائف.. التحديات والفرص

الذكاء الاصطناعي وتأثيره في فقدان الوظائف.. التحديات والفرص
الذكاء الاصطناعي وتأثيره في فقدان الوظائف.. التحديات والفرص

بقلم المهندس عبدالعزيز الهليّل، الخبير في الأسواق التقنية.


لقد أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أبرز المحركات الاقتصادية والتكنولوجية، التي تعيد تشكيل سوق العمل عالميًا، فبينما يُبشر بعصر جديد من الكفاءة والابتكار، فإنه في الوقت نفسه يثير جدلًا واسعًا حول تكلفة هذا التحول على الوظائف ومستقبل القوى العاملة.

فاليوم، تقف الشركات أمام معادلة معقدة؛ كيف تستفيد من قدرات الذكاء الاصطناعي في تسريع النمو وخفض التكاليف، دون أن تفقد التوازن الاجتماعي وتثير موجات من البطالة أو إعادة الهيكلة القسرية؟ لذلك سنحلل في هذا المقال، العلاقة المعقدة بين الذكاء الاصطناعي وفقدان الوظائف، وسنعرض أبرز التحديات التي تواجه الشركات والموظفين في خضم هذا التحول التاريخي:

أثر الذكاء الاصطناعي في فقدان الوظائف خلال عام 2025:

مع حلول منتصف عام 2025، تجاوز عدد الموظفين الذين فقدوا وظائفهم في قطاع التكنولوجيا وحده 130 ألف موظف، وفقًا لتقرير صادر عن (Final Round AI)، ولكن اللافت في الأمر أن هذه التسريحات لم تكن نتيجة أزمات مالية أو تراجع في الإيرادات، بل جاءت ضمن إستراتيجيات الشركات لإعادة الهيكلة لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي ورفع مستويات الكفاءة التشغيلية.

وتتضح هذه الإستراتيجية في الخطوات التي اتخذتها بعض الشركات التقنية الكبرى، فبينما حققت مايكروسوفت زيادة في الإيرادات بنسبة بلغت 13%، استغنت عن الآلاف من الموظفين بهدف توجيه الاستثمار نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وفي خطوة مماثلة، ألغت شركة سيلزفورس 1000 وظيفة بعدما أظهرت بياناتها أن الذكاء الاصطناعي بات يقوم بما يتراوح بين 30% و50% من العمل. وفي السياق ذاته، توقعت أمازون أن زيادة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى تقليص القوى العاملة لديها بنحو ملحوظ.

ولم يقتصر هذا التحول على الشركات التقنية الكبرى فقط، بل يمتد ليشمل قطاعات أخرى، فقد صرح جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة فورد، أن الذكاء الاصطناعي قد يستبدل نصف الوظائف المكتبية في الولايات المتحدة. وتكشف هذه الأمثلة أن موجة تسريح الموظفين لم تَعد مرتبطة بالركود الاقتصادي أو الأزمات المؤقتة، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا للتحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي في بنية سوق العمل.

تحليل الأسباب الحقيقية لفقدان الوظائف:

لا تُعزى موجة فقدان الوظائف بالضرورة إلى تفوق الذكاء الاصطناعي أو جاهزيته الكاملة للاستبدال، بل غالبًا ما يُستخدم الذكاء الاصطناعي كغطاء لتبرير قرارات تسريح تأخرت طويلًا. إذ كشفت مدونة (Horses for Sources) أن العديد من الشركات استغلت ثورة الذكاء الاصطناعي لتغطية مشكلات داخلية عميقة، مثل: ضعف الكفاءات الإدارية، وانخفاض جودة البيانات، وغياب إستراتيجيات تطوير المهارات للموظفين، إضافة إلى تراجع الاستثمار في الكفاءات الشابة.

وقد لجأت شركات كبرى مثل: Deloitte و PwC إلى هذا النهج، إذ خفّضت هذه الشركات نسب توظيف الخريجين الجدد بما يصل إلى 44%، انطلاقًا من قناعة أن الذكاء الاصطناعي قادر على سد هذه الفجوة. ومع ذلك حذر الخبراء  من أن هذا التوجه قد يُقوّض استقرار المؤسسات على المدى الطويل، عبر إضعاف الطبقة المستقبلية من الكفاءات التي تشكل رصيد الخبرة والابتكار.

بالإضافة إلى ذلك، لا يزال الذكاء الاصطناعي نفسه غير ناضج بما يكفي ليحل محل الموظفين بنحو كامل، فقد كشف تقرير حديث صادر عن شركة جارتنر (Gartner) أن أكثر من 40% من مشاريع وكلاء الذكاء الاصطناعي ستفشل بحلول نهاية عام 2027، ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها: ارتفاع التكاليف، وضعف العائد الاستثماري، وعدم وضوح القيمة التجارية، إضافة إلى غياب ضوابط فعالة لإدارة المخاطر.

وعلى صعيد التبني الداخلي لهذه التقنية، توجد فجوة لافتة بين الموظفين والإدارة العليا، إذ كشف تقرير جديد صادر عن شركة (McKinsey)، أن 94% من الموظفين لديهم معرفة عملية بأدوات الذكاء الاصطناعي، لكن القادة التنفيذيين غالبًا ما يقللون من حجم استخدام موظفيهم لهذه الأدوات، مما يعكس ضعفًا إداريًا وليس فجوة تقنية.

الفرص.. كيف يمكن مواجهة الأزمة؟

لا يكمن حل هذه الأزمة في تسريح الموظفين، بل في إعادة توجيه الاستثمار، فكما قال الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دورون أسيموغلو، فإن التركيز في استخدام الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف سيؤدي إلى ما وصفه بـ “السباق نحو القاع”. كما دعا الشركات إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بهدف الابتكار وتطوير المنتجات، وليس فقط لتقليص الوظائف.

ولتحقيق ذلك، لا بد من الاستثمار في الإنسان، إذ يجب على الشركات أن تركز في تدريب موظفيها لتعزيز مهاراتهم في التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه، تطوير المهارات التي لا يمكن للآلات استبدالها، مثل: التفكير الإستراتيجي والإبداع، والذكاء العاطفي.

وبدلاً من اللجوء إلى تسريح الموظفين، يمكن للشركات إعادة تصميم الأدوار لتصبح شراكة بين البشر والذكاء الاصطناعي بدلًا من إحلال طرف مكان آخر، وفي هذا السياق، يشير تقرير (McKinsey) إلى أن جيل الألفية – الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و 44 عامًا – يمكن أن يكونوا روادًا في هذا التحول الإيجابي، نظرًا إلى قدرتهم على التكيف مع التكنولوجيا.

وعلى المستوى الاجتماعي، يقترح الاقتصادي روبرت شيلر حلولًا مبتكرة مثل إنشاء منتجات تأمينية تحمي الأفراد من فقدان الدخل الناتج عن الأتمتة والذكاء الاصطناعي، مما يخفف من الآثار السلبية لعمليات التسريح ويضمن انتقالاً أكثر سلاسة نحو مستقبل العمل الجديد.

الخلاصة:

يمثل الذكاء الاصطناعي ثورة صناعية جديدة، لكن الكثير من الشركات تتعامل معه بعقلية قصيرة المدى تركّز في تحقيق الأرباح السريعة على حساب بناء مستقبل مستدام، وقد وقعت الشركات التقنية الكبرى مثل: مايكروسوفت، وأمازون، وسيلزفورس في هذا الفخ، لتتحول إلى نموذج لتوجه خطير يضع الأرباح الفورية فوق استقرار المجتمع.

ومن ثمّ، فإن النجاح الحقيقي للشركات في هذا العصر لن يُقاس بمدى سرعتها في تبني التكنولوجيا فحسب، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة التقنية وتمكين القوى البشرية. فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُختزل في كونه أداة لخفض التكاليف وتقليص الوظائف، بل يجب التعامل معه كفرصة لإعادة بناء المؤسسات على أسس أكثر مرونة وابتكارًا.

ويتطلب هذا النهج الاستثمار في تطوير المهارات الإنسانية وتعزيز الشراكة بين الإنسان والآلة، حتى نتمكن من صياغة مستقبل أكثر استدامة يضمن النمو الاقتصادي ويحافظ على قيمة الإنسان كعنصر أساسي في العملية الإنتاجية.

نسخ الرابط تم نسخ الرابط

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الزمالك: تعيين مستشار قانوني جديد واستحداث إدارة لصياغة ومراجعة العقود
التالى 3 تحديات تنتظر الزمالك أمام سيراميكا.. الصفقات وفيريرا وإسعاد الجماهير