تصاعد الجدل حول وضعية المتقاعدين الفرنسيين المقيمين بالخارج في السنوات الأخيرة، لا سيما في دول المغرب العربي وأوروبا الجنوبية، حيث باتت هذه الفئة محور اهتمام وتركيز لتقارير محكمة الحسابات الفرنسية التي كشفت عن ثغرات في آليات مراقبة صرف المعاشات التقاعدية.
هذه المشكلة حسب يوسف الإدريسي، رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الإنسان، في تصريح لموقع "أحداث أنفو"،
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
لا تقتصر على جانب مالي بحت، بل تتخطى ذلك لتشمل أبعادا قانونية وحقوقية معقدة تستوجب قراءة متأنية.
وأوضح رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الإنسان، أن عدد المتقاعدين الفرنسيين خارج البلاد يتجاوز المليون شخص، فيما يصل عدد الذين يجمعون بين العمل والتقاعد إلى حوالي 710 آلاف.
وأضاف أن منظومة التقاعد تعاني من ظاهرة استمرار صرف المعاشات لأشخاص متوفين نتيجة غياب التبليغ الرسمي بالوفاة، ما يسبب خسائر مالية تُقدّر بحوالي 60 مليون يورو سنويا لخزينة الدولة، مبرزا أن هذه الأرقام المثيرة للقلق دفعت محكمة الحسابات إلى مطالبة بتفعيل إجراءات رقابية أكثر صرامة لضمان حسن صرف المعاشات وفق القانون.
وفي هذا الإطار، كشف الإدريسي، أن قانون الضمان الاجتماعي الفرنسي، ينظم مسألة استحقاق المعاشات بدقة، حيث تتطلب المادة L.161-23-1 تقديم شهادة حياة دورية للتحقق من وجود المستفيد، فضلا عن شروط محددة للجمع بين المعاش والعمل المهني، كما تتيح المقتضيات القانونية إمكانية تعليق صرف المعاش في حال الامتناع عن تقديم الوثائق الضرورية ضمن الآجال المحددة، وهو ما يدخل في إطار حماية المال العام الموكلة للإدارة.
ومع ذلك، يؤكد الإدريسي، أن هذه الإجراءات وممارستها تثير تساؤلات حقوقية جوهرية، منها أن المطالبة بإجراءات بيروقراطية معقدة مثل التنقل إلى القنصليات وتقديم وثائق أصلية قد تشكل عائقا حقيقيا أمام متقاعدين كبار السن، يحتاجون إلى استقرار وطمأنينة أكثر من أي شيء آخر.
وفي هذا الصدد قال الخبير الحقوقي، أن التحدي الأكبر يتمثل في احترام مبدأ المساواة أمام الخدمة العامة، حيث لا ينبغي أن يعاني المتقاعدون بالخارج من تمييز ضمني مقارنة بمن يعيشون داخل فرنسا.
وفي سياق متصل، أشار المصدر ذاته، إلى أن الجمع بين راتب التقاعد واستمرار النشاط المهني يشكل حالة قانونية معقدة. فالقانون يسمح بها بشروط محددة تتضمن حدوداً على الدخول، إلا أن غياب رقابة كافية أدى إلى استفادة غير عادلة من النظام، بما ينفي الغرض الأصلي من وراء هذا الجمع الذي كان مخصصاً لدعم المتقاعدين ذوي الدخل المحدود.
وأفاد أن تقارير محكمة الحسابات تشير إلى وجود ما يُعرف بـ"الأثر الريعي"، حيث يستفيد أصحاب الدخول المرتفعة بطريقة غير مبررة.
يرى يوسف الإدريسي، أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب مقاربة مزدوجة: أولا، تطوير آليات تحقق رقمية أكثر فعالية من خلال التعاون بين هيئات الضمان الاجتماعي والقنصليات، لوقف صرف المعاشات لمن توفاهم الله بشكل فوري ودقيق. وثانيا، تبسيط الإجراءات الإدارية لتلبية الحقوق الاجتماعية، مع مراعاة كرامة المتقاعدين وحقهم في حياة مستقرة، بما ينسجم مع الالتزامات الحقوقية الدولية.
ويخلص الإدريسي إلى أن القضية ليست مجرد أرقام حسابية أو حماية للمال العام فقط، بل هي مسألة تتعلق بحق المتقاعد في كرامة العيش وحقوقه الأساسية التي تُشكل لب العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.
ودعا الخبير الفرنسي المغربي، السلطات الفرنسية إلى إيجاد توازن دقيق يضمن حماية النظام المالي ويحفظ حق المتقاعد في عيش شيخوخة كريمة أينما كان.