
لم يعد الموت فى قطاع غزة ناتجا فقط عن الغارات الجوية والقصف الإسرائيلى المتواصل منذ نحو عامين، بل بات يتسلل يوميا من بين أنقاض الحصار، عبر الجوع القاتل والأمراض المعدية التى تنهش أجساد السكان بصمت.
مع تفاقم الوضع الإنسانى بشكل غير مسبوق، يواجه أكثر من مليونى فلسطينى فى القطاع خطرا وجوديا فى ظل غياب تام للحد الأدنى من مقومات الحياة.
الحصار الإسرائيلى المستمر منذ مارس الماضى فاقم من معاناة السكان، بعد أن أغلقت سلطات الاحتلال جميع المعابر ومنعت دخول المساعدات الإنسانية والسلع التجارية.
وفى ظل هذا الواقع، بات الحصول على وجبة طعام يومية مهمة شبه مستحيلة لآلاف الأسر، فى وقت تشير فيه بيانات المرصد الأورومتوسطى لحقوق الإنسان إلى أن ٧١ فى المئة من سكان غزة يعانون من مستويات حادة من الجوع، بينما يضطر ٦٤ فى المئة منهم إلى أكل الحشائش والثمار غير الناضجة وحتى الأطعمة منتهية الصلاحية، فقط لسد الرمق.
ووفق برنامج الأغذية العالمي، فإن نحو ١٠٠ ألف طفل وامرأة يعانون من سوء تغذية حاد، فيما يعيش ربع السكان فى ظروف إنسانية تماثل المجاعة الكاملة.
أزمة الغذاء ليست سوى وجه واحد للمأساة، أما الوجه الآخر، فيتمثل فى الانهيار الحاد الذى تشهده منظومة المياه والصرف الصحي، فبحسب سلطة المياه الفلسطينية، تضررت ٨٥ فى المئة من منشآت المياه بفعل العدوان الإسرائيلي، ما أدى إلى تراجع كميات المياه المتوافرة بنسبة ٨٠ فى المئة.
وتراجع معدل استهلاك الفرد إلى أقل من خمسة لترات يوميا، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الطارئ الذى توصى به منظمة الصحة العالمية، والبالغ عشرين لترا، هذا التدهور فى خدمات المياه والصرف الصحي، مع الاكتظاظ السكانى الشديد فى مناطق النزوح، خلق بيئة خصبة لتفشى الأمراض المعدية، التى تنتشر اليوم فى القطاع بوتيرة تنذر بكارثة صحية شاملة.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من تصاعد وتيرة الأمراض المعدية فى غزة نتيجة انهيار البنية التحتية الصحية وتلوث المياه.
وتشير البيانات إلى عودة أمراض لم تسجل منذ سنوات طويلة، مثل الجدرى المائي، والدفتيريا، والحصبة، والسعال الديكي، فضلا عن موجات من الالتهابات المعوية التى أصبحت شائعة بسبب المياه الملوثة، أما التهاب الكبد الوبائى (أ) فقد سجل معدلات غير مسبوقة، حيث تم توثيق أكثر من ٤٠ ألف إصابة منذ بداية الحرب، مقارنة ب٨٥ إصابة فقط قبل الحرب بعام واحد، ما يعكس حجم التدهور الصحى فى القطاع.
مرض عصبى نادر
وفى تطور طبى مقلق، رصد الأطباء فى غزة تزايد حالات الإصابة بمرض عصبى نادر يعرف باسم متلازمة "غيلان باريه"، وهو اضطراب مناعى يهاجم الجهاز العصبى ويسبب ضعفا فى العضلات قد يصل إلى الشلل الكامل، وغالبا ما يصيب هذا المرض الأطفال، ما يضيف عبئا نفسيا وصحيا مضاعفا على الأسر المنكوبة فى القطاع.
انهيار المنظومة الصحية
المنشآت الطبية فى غزة لم تسلم بدورها من ويلات الحرب والحصار، إذ تعانى المستشفيات من نقص حاد فى الأدوية والمستلزمات الطبية، فى وقت توقفت فيه برامج التطعيم شبه كلي، ما يترك الأطفال فى مواجهة مباشرة مع أوبئة ومتحورات لا تملك غزة الإمكانات اللازمة للتعامل معها.
هكذا، يتحول قطاع غزة إلى ساحة موت مفتوح. لا يأتى القتل فقط من الطائرات، بل يتسرب إلى البيوت عبر الجوع والماء الملوث والأوبئة.