أصبح مفهوم "الموازنة الخضراء" اليوم يمثل قيمة عالمية اقتصاديًا وبيئيًا وتوجهاًَ إيجابيًا لدي الكثير من الحكومات المختلفة بعد أن كان يتم تهميشه فى السابق وعدم الاهتمام بأفكاره نحو التنمية المستدامة.
و"الموازنة الخضراء" هو منهج متطورًا يمثل التوازن بين الاستدامة البيئية والأهداف الاقتصادية، ويتجاوز هذا النهج تخصيص الأموال للمشروعات للبيئة وحمايتها، بل يشمل جميع مراحل إعداد الموازنة وتحليل تأثير الخيارات المالية على البيئة.
وفي مصر، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أن الدولة المصرية تسعى لترسيخ نهج "الموازنة الخضراء" كأداة لدمج الاستدامة البيئية في المالية العامة، مع استهداف زيادة نسبة الاستثمارات الخضراء إلى 55% في الموازنة العامة للعام المالي 2025-2026.
وتهدف "الموازنة الخضراء" إلى تحفيف أثار التغير المناخي والتوافق مع الأهداف العالمية لحماية الاستدامة البيئية وقياس حجم الإنفاق العام المخصص لتحقيق الأهداف البيئية مما يوفر مؤشرات كمية حول مدي توجيه الموارد المالية نحو قضايا مثل مكافحة تغير المناخ وحماية التنوع البيولوجي وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.
وهنا يحق لنا نسأل وزارة التخطيط المسئولة عن التوجه الحكومي وإعداد الموازنة العامة للدولة وتوجهها الإيجابي نحو الموازمة الخضراء، هل تم الأخذ فى الاعتبار طموح ونمو الذكاء الاصطناعي والشركات الناشئة فى المجال التكنولوجي في مصر؟، بمعني أدق هل تم الانتباه لمخاطر الذكاء الاصطناعي على البيئة والتنمية المستدامة في توجه الدولة بالموازنة الحالية!؟.. حيث يشهد قطاع الشركات الناشئة في مصر تطورًا ملحوظًا، خاصةً في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث كشفت بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عن تأسيس 325 شركة جديدة في نوفمبر 2024، برأسمال بلغ 180.08 مليون جنيه.
يأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الذكاء الاصطناعي يستهلك كميات هائلة من الكهرباء، مما يُحفز انبعاث غازات الاحتباس الحراري المُسببة للاحتباس الحراري.
وأصدر برنامج الأمم المتحدة مذكرةً بحثيةً تستكشف الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، وتنظر في كيفية تطبيق هذه التقنية بشكل مستدام، وذلك في أعقاب تقرير رئيسيٍ صادر عن البرنامج بعنوان "استكشاف آفاق جديدة"، والذي تناول أيضًا إمكانات الذكاء الاصطناعي ومخاطره.
وأعلن مسؤولو التكنولوجيا الرقمية في البرنامج أنه "لا نزال نجهل الكثير عن الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، لكن بعض البيانات المتوفرة لدينا مثيرة للقلق".
ومن هنا نسأل وزارة التخطيط الاتي:
- هل تم تقييم مخاطر الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بمصر ومراجعة خطط عملهم؟
- هل تم التنسيق مع الجهات المعنية والوزرات المختلفة بنشر ثقافة الموازنة والبيئة الخضراء من أجل تحقيق أفضل لتوجه الدولة نحو التنمية المستدامة؟
- هل يوجد برامج حكومية لتدريب الموظفين على الترشيد من استخدام الطاقة خاصة التكنولوجيا الجديدة والذكاء الاصطناعي؟ وكم عدد الذين تلقوا التدريب لو يوجد بالفعل برامج للتدريب؟
- هل تم الأخذ في الاعتبار أن الذكاء الاصطناعي يؤثر على استهلاك مياه الشرب بسبب عمليات التبريد لـ"DataCenter"؟
- هل تم تقييم الأثر البيئي للشركات التكنولوجيا الحالية بمصر ووضع خطة لخفض هذا الأثر كتوجه عام للدولة من أجل التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 نحو البيئة الخضراء؟.
وبعد.. إن مصر أكدت خلال البيان الختامي لمؤتمر المناخ (COP 27) الذي عقد في شرم الشيخ في نوفمبر 2022 بشأن تغير المناخ على "الحاجة الملحة لخفض فوري وعميق وسريع ومستدام للانبعاثات العالمية من غازات الدفيئة المسؤولة عن الاحترار المناخي، بالإضافة إلى تسريع الجهود نحو خفض تدريجي لاستخدام الفحم غير المتوافق بنظام التقاط الكربون والغاء الدعم غير المجدي للوقود الأحفوري".
في النهاية، مصر تمتلك القدرة نحو التوجه الصحيح للذكاء الاصطناعي ودعم للشركات الناشئة له والتكنولوجيا الحديثة.. وفي الوقت نفسه حماية البيئة من مخاطر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لحماية التنمية المستدامة من أجل مستقبل الأجيال القادمة الذي نريده أفضل وأرقي.
*باحث في مجال الذكاء الاصطناعي