كتب الدكتور عبد الراضي رضوان مقالا بعنوان: مسيخ الهوية والوعي الزائف، على بوابة أخبار اليوم بتاريخ الثلاثاء، 26 أغسطس 2025، قدّمه بوصفه دفاعًا عن الهوية الدينية والفكرية في مواجهة ما أسماه "أدعياء التنوير". المقال موجه – ضمنًا – ضد المفكر السوري فراس السواح، أحد أبرز الباحثين العرب في تاريخ الأديان والأساطير. وبالاعتماد على منهج تحليل الخطاب يمكن تفكيك بنية هذا المقال وبيان ما ينطوي عليه من تناقضات منهجية وادعاءات معرفية تفتقر إلى العلمية.
الكاتب لم ينطلق من مساءلة معرفية جادة لمشروع فراس السواح أو غيره، بل اعتمد خطابًا قائمًا على التجريح الشخصي ووصف الخصم بـ"مسيخ الهوية" و"تاجر زائف التنوير". هذه الأوصاف لا تنتمي إلى لغة النقد العلمي بل إلى لغة التحشيد العاطفي التي تستهدف التأثير على المتلقي لا إقناعه بالحجة. فالخطاب هنا يكشف عن قلق هوياتي أكثر مما يعكس إنتاجًا معرفيًا.
يصرح الكاتب بأن نافذته (لنحيا بالوعي) لا تدخل في "جدليات جانبية"، لكنه يخصص مقالًا طويلًا للهجوم الشخصي على مفكر بعينه. هذا التناقض يعكس انزلاقًا من الخطاب المبدئي (عدم الدخول في المهاترات) إلى الخطاب العملي (المهاترة ذاتها). وهنا يظهر ما يسميه محللو الخطاب بـ"الازدواجية التلفظية"، حيث لا ينسجم المعلن مع الممارس.
ينتقد الكاتب فراس السواح لأنه ليس متخصصًا أكاديميًا في مقارنة الأديان، ثم يقيسه بالعقاد ليبيّن الفارق. لكنّه في الوقت نفسه يرفض نتائج السواح دون أن يناقش الأدلة النصية أو المنهج المقارن الذي يعتمد عليه. الخطاب هنا يتبنى سلطة الوصاية بدلًا من سلطة البرهان، ويحول النقاش من سؤال: ما مدى صوابية أطروحات السواح؟ إلى سؤال: من يحق له الكلام؟. وهذا تحوّل من فضاء العلم إلى فضاء إقصاء الخصوم.
يلجأ الكاتب إلى القول بأن السواح يكرر "الطرح الاستشراقي القديم"، وهو اتهام فضفاض لا يقدّم تفصيلًا. المفارقة أن السواح بنى جزءًا كبيرًا من مشروعه على نقد الاستشراق الكلاسيكي وتجاوز أطروحاته، معتمدًا على مناهج حديثة في الأنثروبولوجيا والتاريخ المقارن. هذا التوصيف العام إذن ليس سوى قالب جاهز يُستخدم ضد كل باحث لا يتبنى القراءة التقليدية.
يستعرض الكاتب أمثلة قرآنية ليبين خطأ السواح في فهم كلمة "قضى"، لكنه يستخدم نفس الآلية التي يتهم بها خصمه: الانتقائية. فبينما يتهم السواح بالاجتزاء، يقع هو ذاته في اجتزاء النصوص القرآنية دون عرض حقلها الدلالي الكامل كما فعلت دراسات اللسانيات الحديثة. هنا يظهر تناقض منهجي: استخدام نفس ما يجرّمه بحق الخصم.
المقال ينطلق من هاجس "الدفاع عن الهوية" ضد "المسخ"، لكنه يغفل أن الدولة الحديثة لا تقوم على إقصاء الاختلاف الفكري، بل على إدارة هذا الاختلاف في إطار قانوني ومعرفي. إن تصوير كل قراءة جديدة للتراث الديني بوصفها تهديدًا للهوية إنما يعيد إنتاج ما يسميه بيير بورديو "الوعي الزائف"؛ أي الوعي الذي يوظف الدفاع عن المقدس لإعادة إنتاج بنى السلطة الفكرية، لا من أجل المعرفة أو الإصلاح.
حين يضع الكاتب السواح في مقارنة مع طه حسين أو العقاد ليُظهر "تفاهته" فإنه يستخدم استراتيجية الإقصاء الرمزي: أي إسقاط شرعية الخصم بوسائل رمزية لا معرفية. بينما النقد الحقيقي يستلزم مناقشة نصوص السواح نفسها مثل: مغامرة العقل الأولى أو الوجه الآخر للمسيح، لا نفي مشروعه من خلال سيرته أو شهاداته الجامعية.
خاتمة
يكشف هذا المقال عن أن معركة "الوعي" التي يدعو إليها الكاتب ليست في حقيقتها معركة من أجل المعرفة، بل من أجل احتكار الحق في تعريف الهوية. مثل هذا الخطاب لا يسهم في بناء الدولة الحديثة، بل يرسخ الاستقطاب الثقافي ويعمّق الشك في إمكان قيام فضاء حوار عقلاني. والنتيجة أن "الوعي الزائف" الذي يدينه الكاتب هو في الحقيقة السمة الأبرز لخطابه ذاته، لأنه يستبدل النقد العلمي بالتحشيد الأيديولوجي، ويغلق باب الاجتهاد المعرفي أمام كل قراءة جديدة.